دار القِمري للنشر و التوزيع | قريبًا
#المسألة_الشرقية .. لمصطفى كامل باشا -رحمه الله-
مقدمة طبعة دار القمري
#المسألة_الشرقية .. لمصطفى كامل باشا -رحمه الله-
مقدمة طبعة دار القمري
بعد قضاء الإنجليز والخديو توفيق على الثورة العرابية، واستقرار الاحتلال الإنجليزي، استولى اليأس على قلوب غالب المصريين، فقد تم التخلص من زعمائهم الذين كانوا يثقون فيهم، وتغَلغل النفوذ الإنجليزي في جميع مرافق البلاد.وفي وسط هذا الجو الملبد بالغيوم ظهر الشاب مصطفى كامل، وأخذ يعمل بالسياسة والصحافة والشأن العام عمومًا، وتجوّل في بلاد أجنبية كثيرة لنشر الوعي حول الاحتلال الإنجليزي لمصر، وحول ضرورة الوحدة الإسلامية تحت راية الدولة العثمانية بصفتها المعروفة آنذاك بأنها الخلافة الإسلامية.
فمن هو مصطفى كامل؟
وُلد مصطفى كامل (وهو اسم مركب) بالقاهرة، بمنزله بشارع الصليبة، يوم الأحد غرة رجب 1291ه، الموافق تقريبًا منتصف أغسطس 1874م. فعيّن والد مصطفى له فقيهًا صالحًا اسمه الشيخ أحمد السيد؛ ليعلمه مبادئ القراءة والكتابة ويحفّظه القرآن الكريم، وأخذ والده على هذا الفقيه الميثاق أن يجتهد معه في تجويد القرآن الشريف، وإتقان قراءته وحفظه. وقد قال الفقيه لوالده يومًا عن مصطفى: إن ولدك هذا سيكون عالمـًا كبيرًا.وكانت نية والد مصطفى متجهة إلى حمل مصطفى متى ترعرع وكبر على طلب العلم والدين في الأزهر الشريف، والتوسع فيهما حتى يكون منقطعًا لهما. وكان مصطفى كامل -كما يروي أخوه عنه- وهو صغير ينهض في الفجر ليقرأ ما تيسر من القرآن الشريف بصوت جهوري، بعد أن يصلي خلف والده.ثم دخل مصطفى مدرسة والدة عباس الأول، ثم ترقى في المراحل التعليمية، حتى حصل على شهادة الحقوق من جامعة (تولوز) بفرنسا قبل بلوغه العشرين. وكان فصيحًا ساحر البيان، وأنشأ إلى جانب جريدة اللواء جريدتين، إحداهما بالإنجليزية والثانية بالفرنسية، سمى كلا منهما اللواء أيضًا.ثم دعا إلى إنشاء الحزب الوطني، فانعقد أول اجتماع له سنة 1907 بدار اللواء، وانتُخب رئيسًا له طول حياته.وتُوفيوهو شاب بالقاهرة، وعمره أربعة وثلاثين عامًا، عام 1326هـ= 1908م.له من المؤلفات:
(حياة الأمم والرق عند الرومان)، و(فتح الأندلس)، و(المسألة الشرقية)، و(دفاع مصري عن بلاده)، و(الشمس المشرقة)، و(مصر والاحتلال الإنجليزي)، و(رسائل مصرية فرنسية).وقد قام علي بك فهمي كامل (وهو أخو مصطفى كامل) بجمع جل تراث أخيه، في 9 مجلدات، وسماه: (مصطفى كامل باشا في 34 ربيعًا)، وهو بمثابة الأعمال الكاملة لمصطفى كامل( 1)
ومن أبرز مبادئه الفكرية قوله رحمه الله عن العلاقة بين الدين والسياسة: "الدين والسياسة توأمان لا يفترقان"( 2).
ويقول: "ولماذا لا نتمسك بديننا في السر والجهر، وهو دين الفضائل والمكارم والهدى؟ وإذا كان الغربيون يعتقدون أن الدين أساس السياسة، فكيف يقوم بيننا من يدّعي أن الدين شيء والسياسة شيء آخر؟!"(3 ).
ويقول مصطفى كامل عن الدستور الذي ينبغي اتباعه:"بأي كتاب نقتدي وبأي دستور نهتدي؟ نقتدي بكتاب مجيد، ودستور فريد، شرعه لنا فاطر السموات والأرض، وما فرط فيه من شيء، كتاب شريف، وقرآن منيف... فما بالنا معشر المسلمين لا نتبعه، وقد علمنا أنه عنوان سعادتنا وقائدنا إلى طريق مجدنا؟ فلنجعلْه نبراسًا في أعمالنا، وسراجًا وهّاجًا في حركاتنا وسكناتنا. ولا نكن كمن غرّه السراب فهو يغتر بأقوال الخسرة المموهين، والكفرة الخاسرين! الذين يقولون إن القرآن أُنزل لعصر لا لكل عصر، ولقوم لا لكل الأقوام( 4).
وكان مصطفى كامل من أكثر الذين يدينون بالولاء للسطان العثماني، بصفته خليفة المسلمين الواجبة طاعته، ويدعو إلى ذلك بشدّة في كثير من كتاباته وخطبه، في مصر وخارجها.
ويصف مصطفى كامل السلطان العثماني بأوصاف تبجيلية عظيمة، منها:"أمير المؤمنين" و"خليفة رب العالمين"(5 ). و"فخر آل عثمان وفريدة عقد السلاطين العظام مولانا السلطان الغازي عبدالحميد خان"( 6). و"خليفتنا المحبوب السلطان الجليل القدر عبد الحميد خان الثاني"(7 ).
وكان مصطفى كامل من أكبر الداعين إلى اتحاد المسلمين تحت راية الإسلام وبقيادة السلطان العثماني، ويرى أن المسلمين أولى بالاتحاد من المسيحيين الذين يتحدون سويًّا، فيقول في ذلك على سبيل المثال:
"وإذا كانت الدول الأوروبية على اختلاف مصالحها وتباين منافعها وعظمتها وقوة سلطانها تتحد فيما بينها، وتنسى كل شقاق وكل افتراق عندما يهمّ المسيحية أمرٌ! فلماذا لا نتحد معاشر المسلمين وقد احتل الشقاء بلادنا، وخيّم الجهل والذل على ديارنا، وقوّضت المصائب أركان استقلالنا، وسلبتنا النوائب عظمتنا وقوتنا وسعادتنا؟ ألسنا أشد من الأوربيين حاجة إلى هذا الاجتماع وهذا الاتفاق؟!وإذا كنا نعتقد بالدلائل التاريخية أن الإسلام دين الفضائل والمدنية الصحيحة، وأن الابتعاد عن مبادئه سبب التأخر والانحطاط، والتمسك به داعية السمو والترقي، فلماذا لا نعمل بأوامره ونجتنب نواهيه؟!وإذا كنا نرى كل يوم شاهدًا جديدًا ودليلًا قويًّا على أن أوربا لم تقُم إلا بالدين، فلماذا نهمل ديننا ونحن أحوج إلى التمسك به من أوربا والأوربيين؟!"( 8).
ويقول متعجبًا:"يلومون السلطان لأنه يحض المسلمين على الاتحاد، ويسعى في جمع شتات المسلمين، ووضع زمام الإسلام في قبضته.أما أنا فأرى الدول الأوروبية تحض المسلمين على ذلك أكثر من جلالته، وتدعوهم إلى الانضمام والاتحاد يدًا واحدة! فإن أوروبا لم تخطاب المسلمين في أمر ما إلا وكان كلامها باسم النصرانية! وهي لم تتكلم قط باسم التمدن الأعم على أفراد البشر من مسائل الدين.ولكي أمثّل لكم الحالة التي وصلت إليها خواطر المسلمين، أذكر لكم الجملة التي فاه بها جلال السلطان الأعظم لمكاتب جريدة (نيوفري بريسة) النمسوية التي تصدر في فيينا؛ حيث قال: ((أوروبا تحاربنا حربًا صليبية في شكل سياسي))!وقد أعرب جلالته بهذه الجملة عما يخالج أفئدة أفراد المسلمين في العالم بأسره!"(9 ).
ويرفض مصطفى كامل أن تكون التربية على المبادئ الأوروبية؛ فيقول: "وإني لست ممن يرون أن تربية البنات يجب أن تكون على المبادئ الأوربية؛ فإن في ذلك خطرًا كبيرًا على مستقبل الأمة، فنحن مصريون ويجب أن نبقى كذلك، ولكل أمة مدنية خاصة بها، فلا يليق بنا أن نكون قردة مقلدين للأجانب تقليدًا أعمى، بل يجب أن نحافظ على الحسن من أخلاقنا، ولا نأخذ من الغرب إلا فضائله.فالحجاب في الشرق عصمة وأي عصمة، فحافظوا عليه في نسائكم وبناتكم، وعلموهن التعليم السليم الصحيح.وإن أساس التربية التي بدونه تكون ضعيفة وركيكة غير نافعة هو تعليم الدين، نعم كلُّ له دين، وكل يجب أن يتبع دينه، فنحن معاشر المسلمين يجب علينا قبل كل شيء أن نعرف ماهية الإسلام، ونسأل أنفسنا هل نحن عاملون بمبادئه، ومتبعون لأوامره، ومجتنبون لنواهيه؟وإذا كنا وصلنا الآن إلى حضيض الذل والهوان فكيف ذلك والإسلام كفيل بالتقدم والتمدن والعمران؟"( 10).
ووقف مصطفى كامل موقف المعارضة الشديدة للاحتلال الإنجليزي، وأخذ يقاومه في كل مكان يذهب إليه، ومن ذلك قوله رحمه الله: "أما الإنكليز الذين يدعون أنهم احتلوا مصر لتأييد الأمن فيها، فإنهم يعملون جهد استطاعتهم لإحداث اضطرابات في البلاد؛ فهم يجتهدون في إهاجة خواطر المسلمين ضد المسيحيين، والمسيحيين ضد المسلمين، وينشرون رسائل تطعن على الدين الإسلامي، وتدعو المسلمين لاعتناق النصرانية، ويطعنون في جرائدهم على خليفة الإسلام الذي له في مصر سلطة معنوية لا يحدّها العقل، كل هذا مع احتقارهم لسائر النظامات والقواعد الشرعية"( 11).
أما عن الكتاب الذي نحن بصدده؛ فقد ألفه الزعيم مصطفى كامل كما قال استجابة لطلب بعض أصدقائه بعد انتهاء الحرب العثمانية اليونانية التي تغلب فيها العثمانيون؛ فقد طلبوا منه كتابة تاريخ هذه الحرب؛فرأى أن يقدم أولًا للقراء قبل أن يكتب تاريخ الحرب ملخصًا عن المسألة الشرقية في الكتاب الذي بين يدينا، وقد عرّف في مقدمته للكتاب معنى المسألة الشرقية باستفاضة.نرجو أن يحظى قارئنا الكريم بقراءة مفيدة وممتعة، متعهدين في دار القمري بنشر وإحياء الكتب التراثية النافعة دومًا والتي كثر الطلب عليها إن شاء الله.
دار القمري
15-2-2015م
[1]للتوسع في ترجمة مصطفى كامل ينظر: ترجمة أخيه علي كامل له، في مقدمة "مصطفى كامل باشا في 34 ربيعًا"، (1/54-111 وما بعدها)،والأعلام، للزركلي (7/238).
[2] مصطفى كامل باشا في 34 ربيعًا، (9/293).
[3] مصطفى كامل باشا في 34 ربيعًا، (9/252).
[4] مصطفى كامل باشا في 34 ربيعًا، (1/252-255).
[5] مصطفى كامل باشا في 34 ربيعًا، (1/269).
[6] مصطفى كامل باشا في 34 ربيعًا، (2/11).
[7] مصطفى كامل باشا في 34 ربيعًا، (2/126).
[8] مصطفى كامل باشا في 34 ربيعًا، (9/269).
[9] مصطفى كامل باشا في 34 ربيعًا، (6/76-77).
[10]مصطفى كامل باشا في 34 ربيعًا، (9/197).
[11]مصطفى كامل باشا في 34 ربيعًا، (الجزء الخامس)، للمزيد حول مصطفى كامل وأفكاره.. يُرجع إلى كتاب ما أخفاه العلمانيون من تاريخ مصر الحديث، معتز زاهر، وهو من إصداراتنا.
لتوصيل الكتب داخل مصر: 68 - 01147474589 WhatsApp
للدولي: 00201092289003 WhatsApp
فمن هو مصطفى كامل؟
وُلد مصطفى كامل (وهو اسم مركب) بالقاهرة، بمنزله بشارع الصليبة، يوم الأحد غرة رجب 1291ه، الموافق تقريبًا منتصف أغسطس 1874م. فعيّن والد مصطفى له فقيهًا صالحًا اسمه الشيخ أحمد السيد؛ ليعلمه مبادئ القراءة والكتابة ويحفّظه القرآن الكريم، وأخذ والده على هذا الفقيه الميثاق أن يجتهد معه في تجويد القرآن الشريف، وإتقان قراءته وحفظه. وقد قال الفقيه لوالده يومًا عن مصطفى: إن ولدك هذا سيكون عالمـًا كبيرًا.وكانت نية والد مصطفى متجهة إلى حمل مصطفى متى ترعرع وكبر على طلب العلم والدين في الأزهر الشريف، والتوسع فيهما حتى يكون منقطعًا لهما. وكان مصطفى كامل -كما يروي أخوه عنه- وهو صغير ينهض في الفجر ليقرأ ما تيسر من القرآن الشريف بصوت جهوري، بعد أن يصلي خلف والده.ثم دخل مصطفى مدرسة والدة عباس الأول، ثم ترقى في المراحل التعليمية، حتى حصل على شهادة الحقوق من جامعة (تولوز) بفرنسا قبل بلوغه العشرين. وكان فصيحًا ساحر البيان، وأنشأ إلى جانب جريدة اللواء جريدتين، إحداهما بالإنجليزية والثانية بالفرنسية، سمى كلا منهما اللواء أيضًا.ثم دعا إلى إنشاء الحزب الوطني، فانعقد أول اجتماع له سنة 1907 بدار اللواء، وانتُخب رئيسًا له طول حياته.وتُوفيوهو شاب بالقاهرة، وعمره أربعة وثلاثين عامًا، عام 1326هـ= 1908م.له من المؤلفات:
(حياة الأمم والرق عند الرومان)، و(فتح الأندلس)، و(المسألة الشرقية)، و(دفاع مصري عن بلاده)، و(الشمس المشرقة)، و(مصر والاحتلال الإنجليزي)، و(رسائل مصرية فرنسية).وقد قام علي بك فهمي كامل (وهو أخو مصطفى كامل) بجمع جل تراث أخيه، في 9 مجلدات، وسماه: (مصطفى كامل باشا في 34 ربيعًا)، وهو بمثابة الأعمال الكاملة لمصطفى كامل( 1)
ومن أبرز مبادئه الفكرية قوله رحمه الله عن العلاقة بين الدين والسياسة: "الدين والسياسة توأمان لا يفترقان"( 2).
ويقول: "ولماذا لا نتمسك بديننا في السر والجهر، وهو دين الفضائل والمكارم والهدى؟ وإذا كان الغربيون يعتقدون أن الدين أساس السياسة، فكيف يقوم بيننا من يدّعي أن الدين شيء والسياسة شيء آخر؟!"(3 ).
ويقول مصطفى كامل عن الدستور الذي ينبغي اتباعه:"بأي كتاب نقتدي وبأي دستور نهتدي؟ نقتدي بكتاب مجيد، ودستور فريد، شرعه لنا فاطر السموات والأرض، وما فرط فيه من شيء، كتاب شريف، وقرآن منيف... فما بالنا معشر المسلمين لا نتبعه، وقد علمنا أنه عنوان سعادتنا وقائدنا إلى طريق مجدنا؟ فلنجعلْه نبراسًا في أعمالنا، وسراجًا وهّاجًا في حركاتنا وسكناتنا. ولا نكن كمن غرّه السراب فهو يغتر بأقوال الخسرة المموهين، والكفرة الخاسرين! الذين يقولون إن القرآن أُنزل لعصر لا لكل عصر، ولقوم لا لكل الأقوام( 4).
وكان مصطفى كامل من أكثر الذين يدينون بالولاء للسطان العثماني، بصفته خليفة المسلمين الواجبة طاعته، ويدعو إلى ذلك بشدّة في كثير من كتاباته وخطبه، في مصر وخارجها.
ويصف مصطفى كامل السلطان العثماني بأوصاف تبجيلية عظيمة، منها:"أمير المؤمنين" و"خليفة رب العالمين"(5 ). و"فخر آل عثمان وفريدة عقد السلاطين العظام مولانا السلطان الغازي عبدالحميد خان"( 6). و"خليفتنا المحبوب السلطان الجليل القدر عبد الحميد خان الثاني"(7 ).
وكان مصطفى كامل من أكبر الداعين إلى اتحاد المسلمين تحت راية الإسلام وبقيادة السلطان العثماني، ويرى أن المسلمين أولى بالاتحاد من المسيحيين الذين يتحدون سويًّا، فيقول في ذلك على سبيل المثال:
"وإذا كانت الدول الأوروبية على اختلاف مصالحها وتباين منافعها وعظمتها وقوة سلطانها تتحد فيما بينها، وتنسى كل شقاق وكل افتراق عندما يهمّ المسيحية أمرٌ! فلماذا لا نتحد معاشر المسلمين وقد احتل الشقاء بلادنا، وخيّم الجهل والذل على ديارنا، وقوّضت المصائب أركان استقلالنا، وسلبتنا النوائب عظمتنا وقوتنا وسعادتنا؟ ألسنا أشد من الأوربيين حاجة إلى هذا الاجتماع وهذا الاتفاق؟!وإذا كنا نعتقد بالدلائل التاريخية أن الإسلام دين الفضائل والمدنية الصحيحة، وأن الابتعاد عن مبادئه سبب التأخر والانحطاط، والتمسك به داعية السمو والترقي، فلماذا لا نعمل بأوامره ونجتنب نواهيه؟!وإذا كنا نرى كل يوم شاهدًا جديدًا ودليلًا قويًّا على أن أوربا لم تقُم إلا بالدين، فلماذا نهمل ديننا ونحن أحوج إلى التمسك به من أوربا والأوربيين؟!"( 8).
ويقول متعجبًا:"يلومون السلطان لأنه يحض المسلمين على الاتحاد، ويسعى في جمع شتات المسلمين، ووضع زمام الإسلام في قبضته.أما أنا فأرى الدول الأوروبية تحض المسلمين على ذلك أكثر من جلالته، وتدعوهم إلى الانضمام والاتحاد يدًا واحدة! فإن أوروبا لم تخطاب المسلمين في أمر ما إلا وكان كلامها باسم النصرانية! وهي لم تتكلم قط باسم التمدن الأعم على أفراد البشر من مسائل الدين.ولكي أمثّل لكم الحالة التي وصلت إليها خواطر المسلمين، أذكر لكم الجملة التي فاه بها جلال السلطان الأعظم لمكاتب جريدة (نيوفري بريسة) النمسوية التي تصدر في فيينا؛ حيث قال: ((أوروبا تحاربنا حربًا صليبية في شكل سياسي))!وقد أعرب جلالته بهذه الجملة عما يخالج أفئدة أفراد المسلمين في العالم بأسره!"(9 ).
ويرفض مصطفى كامل أن تكون التربية على المبادئ الأوروبية؛ فيقول: "وإني لست ممن يرون أن تربية البنات يجب أن تكون على المبادئ الأوربية؛ فإن في ذلك خطرًا كبيرًا على مستقبل الأمة، فنحن مصريون ويجب أن نبقى كذلك، ولكل أمة مدنية خاصة بها، فلا يليق بنا أن نكون قردة مقلدين للأجانب تقليدًا أعمى، بل يجب أن نحافظ على الحسن من أخلاقنا، ولا نأخذ من الغرب إلا فضائله.فالحجاب في الشرق عصمة وأي عصمة، فحافظوا عليه في نسائكم وبناتكم، وعلموهن التعليم السليم الصحيح.وإن أساس التربية التي بدونه تكون ضعيفة وركيكة غير نافعة هو تعليم الدين، نعم كلُّ له دين، وكل يجب أن يتبع دينه، فنحن معاشر المسلمين يجب علينا قبل كل شيء أن نعرف ماهية الإسلام، ونسأل أنفسنا هل نحن عاملون بمبادئه، ومتبعون لأوامره، ومجتنبون لنواهيه؟وإذا كنا وصلنا الآن إلى حضيض الذل والهوان فكيف ذلك والإسلام كفيل بالتقدم والتمدن والعمران؟"( 10).
ووقف مصطفى كامل موقف المعارضة الشديدة للاحتلال الإنجليزي، وأخذ يقاومه في كل مكان يذهب إليه، ومن ذلك قوله رحمه الله: "أما الإنكليز الذين يدعون أنهم احتلوا مصر لتأييد الأمن فيها، فإنهم يعملون جهد استطاعتهم لإحداث اضطرابات في البلاد؛ فهم يجتهدون في إهاجة خواطر المسلمين ضد المسيحيين، والمسيحيين ضد المسلمين، وينشرون رسائل تطعن على الدين الإسلامي، وتدعو المسلمين لاعتناق النصرانية، ويطعنون في جرائدهم على خليفة الإسلام الذي له في مصر سلطة معنوية لا يحدّها العقل، كل هذا مع احتقارهم لسائر النظامات والقواعد الشرعية"( 11).
أما عن الكتاب الذي نحن بصدده؛ فقد ألفه الزعيم مصطفى كامل كما قال استجابة لطلب بعض أصدقائه بعد انتهاء الحرب العثمانية اليونانية التي تغلب فيها العثمانيون؛ فقد طلبوا منه كتابة تاريخ هذه الحرب؛فرأى أن يقدم أولًا للقراء قبل أن يكتب تاريخ الحرب ملخصًا عن المسألة الشرقية في الكتاب الذي بين يدينا، وقد عرّف في مقدمته للكتاب معنى المسألة الشرقية باستفاضة.نرجو أن يحظى قارئنا الكريم بقراءة مفيدة وممتعة، متعهدين في دار القمري بنشر وإحياء الكتب التراثية النافعة دومًا والتي كثر الطلب عليها إن شاء الله.
دار القمري
15-2-2015م
[1]للتوسع في ترجمة مصطفى كامل ينظر: ترجمة أخيه علي كامل له، في مقدمة "مصطفى كامل باشا في 34 ربيعًا"، (1/54-111 وما بعدها)،والأعلام، للزركلي (7/238).
[2] مصطفى كامل باشا في 34 ربيعًا، (9/293).
[3] مصطفى كامل باشا في 34 ربيعًا، (9/252).
[4] مصطفى كامل باشا في 34 ربيعًا، (1/252-255).
[5] مصطفى كامل باشا في 34 ربيعًا، (1/269).
[6] مصطفى كامل باشا في 34 ربيعًا، (2/11).
[7] مصطفى كامل باشا في 34 ربيعًا، (2/126).
[8] مصطفى كامل باشا في 34 ربيعًا، (9/269).
[9] مصطفى كامل باشا في 34 ربيعًا، (6/76-77).
[10]مصطفى كامل باشا في 34 ربيعًا، (9/197).
[11]مصطفى كامل باشا في 34 ربيعًا، (الجزء الخامس)، للمزيد حول مصطفى كامل وأفكاره.. يُرجع إلى كتاب ما أخفاه العلمانيون من تاريخ مصر الحديث، معتز زاهر، وهو من إصداراتنا.
لتوصيل الكتب داخل مصر: 68 - 01147474589 WhatsApp
للدولي: 00201092289003 WhatsApp
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق